الخميس، 9 أكتوبر 2025

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة:

تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظواهر اللافتة كلمة «أفشّ» الشامية، التي تتجاوز حدود الاستعمال اليومي لتغدو مفتاحا لفهم آليات التعبير العاطفي والمجاز الجسدي في اللغة الشعبية، فهذه الكلمة تمثّل نموذجًا دالًّا لما يمكن تسميته «فصيح العامية»؛ أي الألفاظ التي بقيت جذورها الفصيحة حيةًط في التداول الشعبي، وإن تغيّرت وظائفها أو دلالاتها.

التحليل اللساني:

من الناحية الصرفية، تنحدر الكلمة من الجذر الثلاثي (ف-ش-ش) الذي يدل على التفريغ والإزالة والانبساط بعد انقباض، وقد أثبتت المعاجم القديمة هذا الأصل، إذ يورد الجوهري في الصحاح قولهم: فشّ الشيءَ فشًّا إذا أزال انتفاخه، ويتضح من ذلك أن الدلالة الأصلية مادية في جوهرها، تحيل إلى فعل فيزيائي يعبِّر عن إخراج الهواء أو السائل من جسم منتفخ.

أما على المستوى الدلالي، فقد شهدت الكلمة توسّعًا مجازيًّا واضحًا في الاستعمال الشَّامي الحديث، إذ انتقلت من المجال المادي إلى المجال النفسي العاطفي، فقولهم: «أفشّ خلقي» يعني «أُفرغ ما في نفسي من غيظٍ أو كبت»، أي تحويل التفريغ الجسدي إلى تفريغ وجداني، هذا التَّحول يمثِّل ظاهرة لغوية معروفة تسمّى المجاز الجسدي (embodied metaphor)، حيث تستعار مفاهيم الجسد والفيزياء لوصف الحالات الشعورية.

التحليل السوسيولساني:

على الصعيد الاجتماعي، تعبّر عبارة «أفشّ خلقي» عن ثقافة التنفيس في المجتمعات الشامية، حيث ينظر إلى التعبير عن الغضب أو الحزن كوسيلة لاستعادة التوازن النفسي، لا كعلامة ضعف أو انفعال غير محمود،  فشيوع هذه العبارة في الخطاب اليومي يشير إلى بنية ثقافية تقرّ بضرورة البوح والانفراج بعد الكبت، ما يجعل الكلمة أداة لسانية تترجم موقفا اجتماعيا من الانفعال والعاطفة.

الوطب أو القربة: وعاء من جِلْد للماء واللَّبَن الحليب ونَحْوهما، 

التحليل الأنثروبولوجي-الأنطولوجي:

تقدّم الكلمة كذلك رؤية أنطولوجية للجسد والوجدان في المخيال الشعبي الشامي؛ فالنفس تُشبَّه بالوطب (القربة الجلدية) التي تنتفخ بالهواء أو السائل، والغضب يرى بوصفه مادة ضاغطة لا بد من تصريفها كي يستعيد الكيان توازنه، هذه الصورة التشبيهية لا تعكس فقط فهما حسيا للعاطفة، بل تنطوي على تصوّر وجودي للإنسان ككائن قابل للانفجار والانفراج، يعيش بين التوتر والتحرر.

الخاتمة:

تبيّن دراسة لفظة «أفشّ» أن اللهجة الشامية تحتفظ برصيدٍ فصيحٍ موروث، لكنه يتجدّد باستمرار عبر آليات المجاز والتفاعل الاجتماعي، فهي كلمة تجمع بين الأصالة اللُّغوية والدينامية الثقافية، وتكشف عن علاقةٍ عضوية بين الجسد واللغة والعاطفة في الوعي الشعبي، بهذا المعنى تشكّل «أفشّ» نموذجا مصغّرًا لطبيعة العربية نفسها: لغة تفرّغ ما في الصدر لتصنع من التنفيس معنىً ومعنىً آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...