الاثنين، 6 أكتوبر 2025

النظام الانتخابي السوري بين الشورى والديمقراطية: قراءة في تجربة ما بعد التحرير:

مقدمة:
لم يكن النظام الانتخابي الذي اعتمدته سوريا في أعقاب مرحلة التحرير مجرّد خيارٍ تقنيّ أو تعديلٍ دستوريّ طارئ، بل كان موقفًا فكريًا وسياسيًا من طبيعة الدولة وموقعها بين الشرق والغرب.
فبينما تمضي الديمقراطيات الغربية في طريقها المعهود، الممهور بالتعددية الحزبية والتصويت المباشر للجماهير، سلكت سوريا طريقًا مغايرًا: طريق الانتخاب غير المباشر الذي يزاوج بين روح الشورى الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.
وقد أثار هذا التحوّل نقاشًا واسعًا بين من يراه خطوة إلى الوراء، ومن يعتبره محاولةً جادة لتصحيح العلاقة بين الحكم والمجتمع بعد حربٍ أنهكت البلاد وأضعفت نسيجها الوطني.


أولًا: الفارق الجوهري بين الشورى والديمقراطية:
ليست الشورى والديمقراطية ضدّين متنافرين كما يتوهم البعض، بل هما مدرستان مختلفتان في فلسفة الحكم.
فالديمقراطية الغربية تُقيم مشروعها على مبدأ الإرادة العامة التي تُترجم عبر التصويت المباشر للأكثرية، وهي آلية أثبتت نجاحها في مجتمعات ناضجةٍ سياسيًا ومؤسسيًا.
لكنّ الشورى في المقابل، تنطلق من منطقٍ مغاير؛ فهي لا تبحث عن الأكثر عددًا، بل عن الأرجح رأيًا والأصدق نصحًا.
إنها آلية لا تُسلّم القرار إلى الكثرة المطلقة، بل تضعه في يد أهل الخبرة والعلم والرأي، تحقيقًا لمبدأ “الأمر شورى بينهم” بمعناه المقاصدي العميق، لا الشكلي السطحي.
وهنا يكمن جوهر الاختلاف بين التجربتين:
فبينما تسعى الديمقراطية لتوزيع السلطة، تسعى الشورى لترشيدها.
وبينما تُعلي الديمقراطية من قيمة المشاركة الكمية، تُعلي الشورى من قيمة الكفاءة النوعية.

ثانيًا: الضرورة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب:
لقد خاضت سوريا حربًا امتدت لأربعة عشر عامًا، حربًا استنزفت البشر والحجر، وفرّقت الجمع، وأضعفت مؤسسات الدولة والمجتمع.
وفي مثل هذه الظروف، فإن تبنّي نظامٍ حزبيٍّ تعدديٍّ مفتوحٍ يشبه إشعال نارٍ في هشيمٍ لم يخمد بعد.
فالتجاذب الحزبي في مجتمعٍ لم يلتئم جرحه بعد، لا يخلق تنافسًا صحيًا، بل يُهدد الوحدة الوطنية الهشة ويعيد إنتاج الانقسام.
من هنا جاء النظام الانتخابي غير المباشر كخيار واقعيٍّ لا أيديولوجيّ، خيارٍ يحمي الداخل من الصراع السياسي المبكر، ويمنح الدولة فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة بناء مؤسساتها قبل الدخول في تجربة تعددية حادة.
إنه نوع من “التدرج الديمقراطي” الذي يُقدّر الواقع ولا يصادم هشاشته.

ثالثًا: التعيين الرئاسي ومعناه في ضوء الشورى الإسلامية:

يُثار كثير من الجدل حول تعيين الرئيس أحمد الشرع لبعض أعضاء المجلس.
غير أنّ هذه الخطوة لا تُناقض مبدأ الشورى، بل تُكمله من حيث تحقيق المقاصد لا المظاهر.
فالشورى، كما بيّنها الفقهاء، ليست مرادفة للانتخاب الشعبي فقط، بل تقوم على استشارة ذوي العلم والخبرة الذين يمثلون "أهل الحل والعقد".
وهؤلاء لا يُنتخبون عادةً، بل يُختارون لعلمهم ومكانتهم وقدرتهم على النصح والإرشاد.
ثم إنّ التعيين هنا ليس امتيازًا سلطويًا، بل أداة لتحقيق التوازن والتمثيل؛ إذ يُتيح إدخال اختصاصات دقيقة وعقول نادرة قد لا ترغب في خوض الانتخابات أو لا تمتلك الشعبية الكافية رغم كفاءتها العالية.
وبهذا يتحقق في التجربة السورية نوع من التكامل بين الانتخاب والاختيار، بين الإرادة الشعبية والعقل المؤسسي.

رابعًا: نحو صيغة سياسية سورية مستقلة:

ما تسعى إليه سوريا في هذه التجربة ليس تكرار النماذج الغربية، ولا العودة إلى أنظمة الماضي، بل صياغة طريق ثالث، يستمد روحه من التراث الإسلامي في الحكم الرشيد، ويستفيد من خبرات الدولة الحديثة في التنظيم والمأسسة.
إنه مسار “الشورى المؤسسية” التي تُدار داخل أطر قانونية واضحة، وتستند إلى معايير الكفاءة والتمثيل المتوازن، لا إلى الشعارات الحزبية والانفعالات الانتخابية.
ولعلّ خصوصية هذه المقاربة تكمن في كونها تحافظ على روح المشاورة والتناصح، من دون أن تنزلق إلى فوضى التنافس الحزبي أو الصراع الأيديولوجي.
فهي تُقدّم نموذجًا لدولةٍ تبحث عن الاستقرار قبل التعددية، وعن التماسك قبل التنازع.

خامسًا: التحديات والآفاق المستقبلية:

لا يخلو هذا النظام من نقائص وتحديات؛ فالممارسة السياسية لا تستقيم بين عشية وضحاها، والتوازن بين السلطة والمشورة يحتاج إلى ضبطٍ دائم ومراجعةٍ مستمرة.
لكنّ أهميته تكمن في كونه نقطة انطلاق نحو ثقافة سياسية جديدة، تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤكد أن الشورى ليست طقسًا تراثيًا، بل آلية عقلانية يمكن تكييفها مع مؤسسات العصر.
فالتجربة السورية، رغم خصوصيتها، تفتح الباب أمام سؤالٍ أوسع:
هل يمكن للعالم العربي أن يُبدع نموذجًا سياسيًا خاصًا به، لا نسخةً من الغرب ولا ظلًا من الماضي؟
سؤالٌ قد لا يُجاب عنه اليوم، لكنّ سوريا تخوض فصوله الأولى.

خاتمة:

في زمنٍ صارت فيه الديمقراطية شعارًا يُرفع أكثر مما يُمارس، تبدو الشورى السورية محاولةً لإحياء جوهر السياسة بوصفها فنًّا للحكمة لا ساحةً للصراع.
قد تختلف الآليات، لكنّ الغاية واحدة: أن يُدار الشأن العام بعقلٍ راجحٍ ورأيٍ سديد، وأن يُقدَّم صالح الأمة على نزعات الأفراد والأحزاب.
وبين الاقتراع الغربي والشورى الإسلامية، تمضي سوريا في طريقها الثالث — طريقٍ لا يطلب الكثرة، بل يطلب الصواب.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...