مفهوم الإحسان في اللغة والشرع
من دلالات المعاني اللغوية والشرعية، يتضح أن مفهوم الإحسان أعم وأشمل من مفهوم الإنعام، فالإنعام هو إيصال النفع والعطاء للآخرين، أي منحهم ما يفيدهم أو ينالون به الخير، أما الإحسان فيتجاوز ذلك ليشمل إتقان الفعل وتجويده، والقيام بالشيء على أكمل وجه وأحسنه، سواء كان ذلك في العطاء (الذي يندرج تحت الإنعام) أو في أي عمل آخر، كحسن الخلق أو حسن المعاملة أو إتقان الصنعة، فهو يعني فعل الخير والقيام به على وجه الكمال والإتقان.
الفرق بين الإحسان والإنعام
بينما يقتصر الإنعام على منح النفع أو الخير، فإن الإحسان يتضمن حسن الأداء في هذا العطاء، وكأن العطاء نفسه يكتسب روحًا من الجمال والإتقان. فالإحسان لا يقف عند الفعل، بل يهتم بكيفية أدائه وجمال أثره في النفس والآخر.
الإحسان والعدل: مرتبتان لا تتساويان
الإحسان أعلى مرتبة من العدل، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو واجب شرعًا وعقلًا. أما الإحسان، فهو تجاوز القدر الواجب إلى المبالغة في الإكرام والتكريم، والعطاء بلا انتظار مقابل، مع الكمال في الفعل والرقة في الأسلوب. العدل يُقيم المجتمع، لكن الإحسان يُحييه.
الإحسان إلى الوالدين: من الفضل إلى الفرض
خير مثال على هذه المرتبة العالية ما جاء في وصية الله تعالى بالوالدين، حيث يقول سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فالآية لا تدعو إلى العدل أو أداء الحقوق فحسب، بل إلى المبالغة في البر والإكرام والرعاية. لقد رفع الله الإحسان إلى الوالدين من فضيلة اختيارية إلى فريضة إلهية واجبة، ليصبح برّهما طريقًا إلى رضاه سبحانه.
الإحسان قيمة لا تعرف التوقف
الإحسان لا يقف عند حدٍّ معين، بل هو سعي دائم نحو الكمال، وتجدد مستمر للعطاء، ورغبة في بلوغ أسمى مراتب الإنسانية. هو دعوة إلى العطاء بلا حساب، والرحمة بلا شروط، والوفاء بلا انقطاع. ومن هنا يظهر أن الإسلام لا يكتفي بإقامة العدل، بل يدعو إلى ما هو أجمل وأكمل — إلى الإحسان.
خاتمة
إن تشريع الإحسان في معاملة الوالدين وسائر الناس هو من أعظم دلائل كمال هذا الدين، ومن تجليات رحمته الإلهية بعباده. فالإحسان بابٌ للقرب من الله، ومن خلاله يرقى الإنسان بنفسه وبمجتمعه إلى أفقٍ من الصفاء والسكينة والرضا.
عبدالله الحسن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق