السبت، 4 أكتوبر 2025

"يسمعون حسيسها... والقوقعة: شهادات من المسالخ الأسدية"

كثيرًا ما تتجاوز تجربة قراءة كتاب أو قصة حدود التلقي البسيط لتتحول إلى انغماس كامل وتلبس نفسي عميق بمحتواها، فنغدو جزءًا منها وتتفاعل أرواحنا وعقولنا مع أحداثها وشخصياتها ليس فقط أثناء التصفح، بل وبعد أن نختتم قراءتها، لتترك أثرًا لا يمحى، وقد انكببت في وقت سابق على استكشاف "أدب السجون"، وهو جنس أدبي ذو أهمية قصوى يوثق تجارب إنسانية قاسية، وصرت ألتهم كل ما يقع تحت يدي من روايات وقصص ومذكرات تتناول حياة أفراد عاشوا تحت وطأة الاعتقال في غياهب السجون.

ومن بين الأعمال التي تركت بصمتها رواية "يسمعون حسيسها" للكاتب الأردني أيمن العتوم، التي تستند إلى قصة واقعية مروعة حدثت لأحد السوريين الأبرياء، تدور أحداث الرواية في سجن تدمر سيء الصيت خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، إبان حكم نظام الأسد الأب في سوريا، وقد نقل لنا العتوم ببراعة بالغة، على لسان الشخصية المحورية الطبيب إياد سعد، تفاصيل مرعبة عن صنوف العذاب الجسدي والنفسي الذي ذاقه المعتقلون، تحدثت الرواية عن التنوع المريع في أساليب التعذيب التي تجرعها الضحايا على أيدي جلادين فقدوا إنسانيتهم، ليتحولوا إلى أدوات بثّ السادية وإشباع الغرائز المريضة في تعذيب البشر وإهانتهم وتجريدهم من كرامتهم، وكل ذلك تحت ستار ذريعة واهية هي "أمن الوطن" على مدى سبعة عشر عامًا من القمع الوحشي.

ولطالما كنت أتساءل وأنا أستمع إلى قصص الناجين الذين خرجوا من أقبية النظام المجرم المظلمة: لماذا أستمر في سماع هذه القصص التي تدمي القلب وتهز أركانه؟ لمَ أعرِّض نفسي لهذا الألم؟ كانت الإجابة تتراءى لي دوما بوضوح: إن هذا الاستماع ليس محض فضول، بل هو عملية "تربية للحقد" بالمعنى الإيجابي، أي بناء ذاكرة مقاومة ترفض النسيان، إنه حقدٌ مقدس يدفعني كي لا أنسى تلك الجرائم والفظائع التي ارتكبت بحقنا، وكيف كان الجلادون يتلذذون بالتنكيل بأرواحنا وأجسادنا، وأحاول بوعي كامل أن أزرع هذه الصور المروعة وتفاصيلها في ذاكرتي، لأني موقن بأن وقت الحساب قادم لا محالة، وأن الانتقام للضحايا حتمية لا مفر منها، عليّ أن أزيد من هذه الرغبة الجامحة في العدالة، وأربيها في كياني، وأمزجها في أعماق روحي بأن أستمع إلى تلك القصص وأستوعبها، ولم أكتف بالسماع وحسب، بل اخترت القراءة أيضًا كوسيلة لترسيخ الذاكرة، فقط كي لا أنسى، لأن النسيان هو خيانة عظمى لدماء الأبرار الذين سقطوا ظلمًا وعدوانًا.

واليوم شاهدت مقابلة مؤثرة للروائي السوري البارز مصطفى خليفة، وذلك في برنامج "السطر الأوسط"، خليفة هو صاحب رواية "القوقعة"، التي تعدّ إحدى أهم شهادات أدب السجون السوري، حيث يروي فيها مشاهداته اليومية وتفاصيل حياته القاسية خلال أربعة عشر عامًا قضاها معتقلا في سجن تدمر الرهيب، مقدّمًا صورة حية ومروعة لطبيعة الظلم والاستبداد.

إن روايات وحكايا هذه المسالخ البشرية الأسدية التي شهدتها السجون السورية تحت سلطة نظام الأسد، هي من الفظاعة بمكان لدرجة أن تشيب لها الولدان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...