المتنبي شاعرٌ يُعدُّ من أعظم شعراء العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وقد صَدَقَ فيه الوصف البليغ الذي غدا خالدًا على الألسنة: «الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس»، وهذه العبارة ليست مجرد مدحٍ بلاغي، بل هي وصفٌ بالغ الدقة يعكس مدى تأثير هذا الشاعر العملاق في عصره وإلى يومنا هذا، ليس في الأدب فحسب، بل في الفكر والثقافة والتاريخ.
إن ما يؤكد هذه المكانة الفريدة للمتنبي هو أن ديوانه لا يزال إلى اليوم شمسًا ساطعة لا تغيب في سماء الأدب العربي، بل ربما تجاوز تأثيره حدود الأدب العربي ليلامس الأدب العالمي بفضل عمق إنسانيته ورهافة إحساسه، وقد نال ديوانه اهتمامًا غير مسبوق من الدارسين والنقاد على مر العصور، ويتجلى ذلك بوضوح في كثرة شرّاحه الذين أفنوا أعمارهم في تتبع خفايا شعره وبيان معانيه وتفسير غوامضه، ومن أبرز هؤلاء الشرّاح، نذكر الإمام أبا الحسن الواحدي الذي يُعدّ شرحه من أوائل الشروح وأهمها، والفقيه اللغوي أبا البقاء العكبري الذي تميز شرحه بالتحليل اللغوي والنحوي الدقيق، والشاعر والأديب إبراهيم اليازجي الذي قدم رؤى حديثة لشعر المتنبي، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من العلماء والأدباء الذين قدموا شروحًا ودراسات متنوعة، الأمر الذي يدل على ثراء نصه وتعدد مستوياته الدلالية، وهذا الاهتمام الهائل والمديد بشعر المتنبي لم يكن ليتحقق إلا لجودة هذا الشعر الفائقة وعمقه الفلسفي والإنساني، ولبلاغته الساحرة التي بلغت ذروة الإعجاز، وللأسلوب الفريد الممتع الذي اتّسم به، وهو أسلوبٌ لا يصدر إلا عن حكمة صاحبه المتنبي وفلسفته ورؤيته العميقة للحياة والإنسان.
ولم يقتصر هذا الاهتمام البالغ على شعر المتنبي فحسب، بل امتدّ ليشمل حياته المليئة بالأحداث والتناقضات، إذ سالت حولها الكثير من المداد على صفحات الكتب والدراسات، محاولة فك ألغاز شخصيته وسبر أغوار مسيرته، فبعد ألف عام من وفاته، انبرى شيخ العربية وعميدها، الأستاذ محمود شاكر – رحمه الله – لكتابة بحث عميق وموسوعي عن حياة المتنبي، نشره أولًا في مجلة «المقتطف» العريقة التي كانت منبرًا فكريًا مهمًا في عصره، ثم قام بعد ذلك بإخراج هذا البحث في كتاب كبير ضخم، لم يكن مجرد إعادة نشر، بل تضمّن مقدمة شاملة تضع دراسته في سياقها، بالإضافة إلى العدد الأصلي الذي نشر في المقتطف، وضمّ أيضًا ردَّه النقدي الموسّع على كتاب عميد الأدب العربي طه حسين المعنون «مع المتنبي»، وقد أظهر شاكر في نقده هذا قدرة فذة على التحليل والتفنيد، مبينًا نقاط الخلاف والاختلاف المنهجي والفكري بينه وبين طه حسين، غير أن الأستاذ شاكر لم يتمّ هذا النقد بشكل كامل، حيث ذكر هو بنفسه في كتابه أن وفاة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله – أثرت عليه بشكل كبير، مما دفعه إلى التوقف عن استكمال مشروعه النقدي، وقد أضاف شاكر في هذا العمل أيضًا بحثًا معمقًا في قضية نبوّة المتنبي، محاولًا تحليل هذه التهمة التاريخية من جوانبها المختلفة، كما ضم الكتاب أربع تراجم مختلفة لحياته، مما يعكس تعدد الروايات وتباين وجهات النظر حول شخصيته.
لم يكن محمود شاكر الوحيد الذي خاض غمار التأليف عن المتنبي بهذه الشمولية والعمق، بل لحقه الأستاذ عبد الوهاب عزّام في كتابه المهم «ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام»، الذي صدر في المناسبة ذاتها، وتبعه أيضًا الدكتور طه حسين في كتابه الشهير «مع المتنبي»، الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الأدبية، وقد نشأ بين هؤلاء العمالقة صراع فكري كبير، لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كان نقاشًا حادًا ومواجهة منهجية حول قضايا محورية تتعلق بحياة المتنبي وشخصيته وشعره، ومن أبرز هذه القضايا التي حظيت بنصيب وافر من الجدل والنقاش الحاد هو نسب المتنبي؛ ففي حين نسبه محمود شاكر إلى العلويين، مؤكدًا على أصوله الهاشمية الشريفة، ذهب الأستاذ عبد الوهاب عزّام إلى نسبه إلى الجعفيين، وهي قبيلة عربية عريقة، أما طه حسين، فبمنهجه النقدي التشكيكي المعروف، راح يشكّك في نسبه كلّه، مشيرًا إلى عدم وجود دلائل قاطعة تثبت أيًا من تلك الأنساب، مما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيته الاجتماعية وأثرها في تكوين شخصيته وطموحاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق