الخميس، 9 أكتوبر 2025

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة:

تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظواهر اللافتة كلمة «أفشّ» الشامية، التي تتجاوز حدود الاستعمال اليومي لتغدو مفتاحا لفهم آليات التعبير العاطفي والمجاز الجسدي في اللغة الشعبية، فهذه الكلمة تمثّل نموذجًا دالًّا لما يمكن تسميته «فصيح العامية»؛ أي الألفاظ التي بقيت جذورها الفصيحة حيةًط في التداول الشعبي، وإن تغيّرت وظائفها أو دلالاتها.

التحليل اللساني:

من الناحية الصرفية، تنحدر الكلمة من الجذر الثلاثي (ف-ش-ش) الذي يدل على التفريغ والإزالة والانبساط بعد انقباض، وقد أثبتت المعاجم القديمة هذا الأصل، إذ يورد الجوهري في الصحاح قولهم: فشّ الشيءَ فشًّا إذا أزال انتفاخه، ويتضح من ذلك أن الدلالة الأصلية مادية في جوهرها، تحيل إلى فعل فيزيائي يعبِّر عن إخراج الهواء أو السائل من جسم منتفخ.

أما على المستوى الدلالي، فقد شهدت الكلمة توسّعًا مجازيًّا واضحًا في الاستعمال الشَّامي الحديث، إذ انتقلت من المجال المادي إلى المجال النفسي العاطفي، فقولهم: «أفشّ خلقي» يعني «أُفرغ ما في نفسي من غيظٍ أو كبت»، أي تحويل التفريغ الجسدي إلى تفريغ وجداني، هذا التَّحول يمثِّل ظاهرة لغوية معروفة تسمّى المجاز الجسدي (embodied metaphor)، حيث تستعار مفاهيم الجسد والفيزياء لوصف الحالات الشعورية.

التحليل السوسيولساني:

على الصعيد الاجتماعي، تعبّر عبارة «أفشّ خلقي» عن ثقافة التنفيس في المجتمعات الشامية، حيث ينظر إلى التعبير عن الغضب أو الحزن كوسيلة لاستعادة التوازن النفسي، لا كعلامة ضعف أو انفعال غير محمود،  فشيوع هذه العبارة في الخطاب اليومي يشير إلى بنية ثقافية تقرّ بضرورة البوح والانفراج بعد الكبت، ما يجعل الكلمة أداة لسانية تترجم موقفا اجتماعيا من الانفعال والعاطفة.

الوطب أو القربة: وعاء من جِلْد للماء واللَّبَن الحليب ونَحْوهما، 

التحليل الأنثروبولوجي-الأنطولوجي:

تقدّم الكلمة كذلك رؤية أنطولوجية للجسد والوجدان في المخيال الشعبي الشامي؛ فالنفس تُشبَّه بالوطب (القربة الجلدية) التي تنتفخ بالهواء أو السائل، والغضب يرى بوصفه مادة ضاغطة لا بد من تصريفها كي يستعيد الكيان توازنه، هذه الصورة التشبيهية لا تعكس فقط فهما حسيا للعاطفة، بل تنطوي على تصوّر وجودي للإنسان ككائن قابل للانفجار والانفراج، يعيش بين التوتر والتحرر.

الخاتمة:

تبيّن دراسة لفظة «أفشّ» أن اللهجة الشامية تحتفظ برصيدٍ فصيحٍ موروث، لكنه يتجدّد باستمرار عبر آليات المجاز والتفاعل الاجتماعي، فهي كلمة تجمع بين الأصالة اللُّغوية والدينامية الثقافية، وتكشف عن علاقةٍ عضوية بين الجسد واللغة والعاطفة في الوعي الشعبي، بهذا المعنى تشكّل «أفشّ» نموذجا مصغّرًا لطبيعة العربية نفسها: لغة تفرّغ ما في الصدر لتصنع من التنفيس معنىً ومعنىً آخر.

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

النظام الانتخابي السوري بين الشورى والديمقراطية: قراءة في تجربة ما بعد التحرير:

مقدمة:
لم يكن النظام الانتخابي الذي اعتمدته سوريا في أعقاب مرحلة التحرير مجرّد خيارٍ تقنيّ أو تعديلٍ دستوريّ طارئ، بل كان موقفًا فكريًا وسياسيًا من طبيعة الدولة وموقعها بين الشرق والغرب.
فبينما تمضي الديمقراطيات الغربية في طريقها المعهود، الممهور بالتعددية الحزبية والتصويت المباشر للجماهير، سلكت سوريا طريقًا مغايرًا: طريق الانتخاب غير المباشر الذي يزاوج بين روح الشورى الإسلامية ومتطلبات الدولة الحديثة.
وقد أثار هذا التحوّل نقاشًا واسعًا بين من يراه خطوة إلى الوراء، ومن يعتبره محاولةً جادة لتصحيح العلاقة بين الحكم والمجتمع بعد حربٍ أنهكت البلاد وأضعفت نسيجها الوطني.


أولًا: الفارق الجوهري بين الشورى والديمقراطية:
ليست الشورى والديمقراطية ضدّين متنافرين كما يتوهم البعض، بل هما مدرستان مختلفتان في فلسفة الحكم.
فالديمقراطية الغربية تُقيم مشروعها على مبدأ الإرادة العامة التي تُترجم عبر التصويت المباشر للأكثرية، وهي آلية أثبتت نجاحها في مجتمعات ناضجةٍ سياسيًا ومؤسسيًا.
لكنّ الشورى في المقابل، تنطلق من منطقٍ مغاير؛ فهي لا تبحث عن الأكثر عددًا، بل عن الأرجح رأيًا والأصدق نصحًا.
إنها آلية لا تُسلّم القرار إلى الكثرة المطلقة، بل تضعه في يد أهل الخبرة والعلم والرأي، تحقيقًا لمبدأ “الأمر شورى بينهم” بمعناه المقاصدي العميق، لا الشكلي السطحي.
وهنا يكمن جوهر الاختلاف بين التجربتين:
فبينما تسعى الديمقراطية لتوزيع السلطة، تسعى الشورى لترشيدها.
وبينما تُعلي الديمقراطية من قيمة المشاركة الكمية، تُعلي الشورى من قيمة الكفاءة النوعية.

ثانيًا: الضرورة السياسية في مرحلة ما بعد الحرب:
لقد خاضت سوريا حربًا امتدت لأربعة عشر عامًا، حربًا استنزفت البشر والحجر، وفرّقت الجمع، وأضعفت مؤسسات الدولة والمجتمع.
وفي مثل هذه الظروف، فإن تبنّي نظامٍ حزبيٍّ تعدديٍّ مفتوحٍ يشبه إشعال نارٍ في هشيمٍ لم يخمد بعد.
فالتجاذب الحزبي في مجتمعٍ لم يلتئم جرحه بعد، لا يخلق تنافسًا صحيًا، بل يُهدد الوحدة الوطنية الهشة ويعيد إنتاج الانقسام.
من هنا جاء النظام الانتخابي غير المباشر كخيار واقعيٍّ لا أيديولوجيّ، خيارٍ يحمي الداخل من الصراع السياسي المبكر، ويمنح الدولة فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة بناء مؤسساتها قبل الدخول في تجربة تعددية حادة.
إنه نوع من “التدرج الديمقراطي” الذي يُقدّر الواقع ولا يصادم هشاشته.

ثالثًا: التعيين الرئاسي ومعناه في ضوء الشورى الإسلامية:

يُثار كثير من الجدل حول تعيين الرئيس أحمد الشرع لبعض أعضاء المجلس.
غير أنّ هذه الخطوة لا تُناقض مبدأ الشورى، بل تُكمله من حيث تحقيق المقاصد لا المظاهر.
فالشورى، كما بيّنها الفقهاء، ليست مرادفة للانتخاب الشعبي فقط، بل تقوم على استشارة ذوي العلم والخبرة الذين يمثلون "أهل الحل والعقد".
وهؤلاء لا يُنتخبون عادةً، بل يُختارون لعلمهم ومكانتهم وقدرتهم على النصح والإرشاد.
ثم إنّ التعيين هنا ليس امتيازًا سلطويًا، بل أداة لتحقيق التوازن والتمثيل؛ إذ يُتيح إدخال اختصاصات دقيقة وعقول نادرة قد لا ترغب في خوض الانتخابات أو لا تمتلك الشعبية الكافية رغم كفاءتها العالية.
وبهذا يتحقق في التجربة السورية نوع من التكامل بين الانتخاب والاختيار، بين الإرادة الشعبية والعقل المؤسسي.

رابعًا: نحو صيغة سياسية سورية مستقلة:

ما تسعى إليه سوريا في هذه التجربة ليس تكرار النماذج الغربية، ولا العودة إلى أنظمة الماضي، بل صياغة طريق ثالث، يستمد روحه من التراث الإسلامي في الحكم الرشيد، ويستفيد من خبرات الدولة الحديثة في التنظيم والمأسسة.
إنه مسار “الشورى المؤسسية” التي تُدار داخل أطر قانونية واضحة، وتستند إلى معايير الكفاءة والتمثيل المتوازن، لا إلى الشعارات الحزبية والانفعالات الانتخابية.
ولعلّ خصوصية هذه المقاربة تكمن في كونها تحافظ على روح المشاورة والتناصح، من دون أن تنزلق إلى فوضى التنافس الحزبي أو الصراع الأيديولوجي.
فهي تُقدّم نموذجًا لدولةٍ تبحث عن الاستقرار قبل التعددية، وعن التماسك قبل التنازع.

خامسًا: التحديات والآفاق المستقبلية:

لا يخلو هذا النظام من نقائص وتحديات؛ فالممارسة السياسية لا تستقيم بين عشية وضحاها، والتوازن بين السلطة والمشورة يحتاج إلى ضبطٍ دائم ومراجعةٍ مستمرة.
لكنّ أهميته تكمن في كونه نقطة انطلاق نحو ثقافة سياسية جديدة، تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤكد أن الشورى ليست طقسًا تراثيًا، بل آلية عقلانية يمكن تكييفها مع مؤسسات العصر.
فالتجربة السورية، رغم خصوصيتها، تفتح الباب أمام سؤالٍ أوسع:
هل يمكن للعالم العربي أن يُبدع نموذجًا سياسيًا خاصًا به، لا نسخةً من الغرب ولا ظلًا من الماضي؟
سؤالٌ قد لا يُجاب عنه اليوم، لكنّ سوريا تخوض فصوله الأولى.

خاتمة:

في زمنٍ صارت فيه الديمقراطية شعارًا يُرفع أكثر مما يُمارس، تبدو الشورى السورية محاولةً لإحياء جوهر السياسة بوصفها فنًّا للحكمة لا ساحةً للصراع.
قد تختلف الآليات، لكنّ الغاية واحدة: أن يُدار الشأن العام بعقلٍ راجحٍ ورأيٍ سديد، وأن يُقدَّم صالح الأمة على نزعات الأفراد والأحزاب.
وبين الاقتراع الغربي والشورى الإسلامية، تمضي سوريا في طريقها الثالث — طريقٍ لا يطلب الكثرة، بل يطلب الصواب.


السبت، 4 أكتوبر 2025

الفرق بين الإحسان والإنعام والعدل في الإسلام: رؤية لغوية وشرعية


مفهوم الإحسان في اللغة والشرع

من دلالات المعاني اللغوية والشرعية، يتضح أن مفهوم الإحسان أعم وأشمل من مفهوم الإنعام، فالإنعام هو إيصال النفع والعطاء للآخرين، أي منحهم ما يفيدهم أو ينالون به الخير، أما الإحسان فيتجاوز ذلك ليشمل إتقان الفعل وتجويده، والقيام بالشيء على أكمل وجه وأحسنه، سواء كان ذلك في العطاء (الذي يندرج تحت الإنعام) أو في أي عمل آخر، كحسن الخلق أو حسن المعاملة أو إتقان الصنعة، فهو يعني فعل الخير والقيام به على وجه الكمال والإتقان.

الفرق بين الإحسان والإنعام

بينما يقتصر الإنعام على منح النفع أو الخير، فإن الإحسان يتضمن حسن الأداء في هذا العطاء، وكأن العطاء نفسه يكتسب روحًا من الجمال والإتقان. فالإحسان لا يقف عند الفعل، بل يهتم بكيفية أدائه وجمال أثره في النفس والآخر.

الإحسان والعدل: مرتبتان لا تتساويان

الإحسان أعلى مرتبة من العدل، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو واجب شرعًا وعقلًا. أما الإحسان، فهو تجاوز القدر الواجب إلى المبالغة في الإكرام والتكريم، والعطاء بلا انتظار مقابل، مع الكمال في الفعل والرقة في الأسلوب. العدل يُقيم المجتمع، لكن الإحسان يُحييه.

الإحسان إلى الوالدين: من الفضل إلى الفرض

خير مثال على هذه المرتبة العالية ما جاء في وصية الله تعالى بالوالدين، حيث يقول سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فالآية لا تدعو إلى العدل أو أداء الحقوق فحسب، بل إلى المبالغة في البر والإكرام والرعاية. لقد رفع الله الإحسان إلى الوالدين من فضيلة اختيارية إلى فريضة إلهية واجبة، ليصبح برّهما طريقًا إلى رضاه سبحانه.

الإحسان قيمة لا تعرف التوقف

الإحسان لا يقف عند حدٍّ معين، بل هو سعي دائم نحو الكمال، وتجدد مستمر للعطاء، ورغبة في بلوغ أسمى مراتب الإنسانية. هو دعوة إلى العطاء بلا حساب، والرحمة بلا شروط، والوفاء بلا انقطاع. ومن هنا يظهر أن الإسلام لا يكتفي بإقامة العدل، بل يدعو إلى ما هو أجمل وأكمل — إلى الإحسان.

خاتمة

إن تشريع الإحسان في معاملة الوالدين وسائر الناس هو من أعظم دلائل كمال هذا الدين، ومن تجليات رحمته الإلهية بعباده. فالإحسان بابٌ للقرب من الله، ومن خلاله يرقى الإنسان بنفسه وبمجتمعه إلى أفقٍ من الصفاء والسكينة والرضا.


عبدالله الحسن

"يسمعون حسيسها... والقوقعة: شهادات من المسالخ الأسدية"

كثيرًا ما تتجاوز تجربة قراءة كتاب أو قصة حدود التلقي البسيط لتتحول إلى انغماس كامل وتلبس نفسي عميق بمحتواها، فنغدو جزءًا منها وتتفاعل أرواحنا وعقولنا مع أحداثها وشخصياتها ليس فقط أثناء التصفح، بل وبعد أن نختتم قراءتها، لتترك أثرًا لا يمحى، وقد انكببت في وقت سابق على استكشاف "أدب السجون"، وهو جنس أدبي ذو أهمية قصوى يوثق تجارب إنسانية قاسية، وصرت ألتهم كل ما يقع تحت يدي من روايات وقصص ومذكرات تتناول حياة أفراد عاشوا تحت وطأة الاعتقال في غياهب السجون.

ومن بين الأعمال التي تركت بصمتها رواية "يسمعون حسيسها" للكاتب الأردني أيمن العتوم، التي تستند إلى قصة واقعية مروعة حدثت لأحد السوريين الأبرياء، تدور أحداث الرواية في سجن تدمر سيء الصيت خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، إبان حكم نظام الأسد الأب في سوريا، وقد نقل لنا العتوم ببراعة بالغة، على لسان الشخصية المحورية الطبيب إياد سعد، تفاصيل مرعبة عن صنوف العذاب الجسدي والنفسي الذي ذاقه المعتقلون، تحدثت الرواية عن التنوع المريع في أساليب التعذيب التي تجرعها الضحايا على أيدي جلادين فقدوا إنسانيتهم، ليتحولوا إلى أدوات بثّ السادية وإشباع الغرائز المريضة في تعذيب البشر وإهانتهم وتجريدهم من كرامتهم، وكل ذلك تحت ستار ذريعة واهية هي "أمن الوطن" على مدى سبعة عشر عامًا من القمع الوحشي.

ولطالما كنت أتساءل وأنا أستمع إلى قصص الناجين الذين خرجوا من أقبية النظام المجرم المظلمة: لماذا أستمر في سماع هذه القصص التي تدمي القلب وتهز أركانه؟ لمَ أعرِّض نفسي لهذا الألم؟ كانت الإجابة تتراءى لي دوما بوضوح: إن هذا الاستماع ليس محض فضول، بل هو عملية "تربية للحقد" بالمعنى الإيجابي، أي بناء ذاكرة مقاومة ترفض النسيان، إنه حقدٌ مقدس يدفعني كي لا أنسى تلك الجرائم والفظائع التي ارتكبت بحقنا، وكيف كان الجلادون يتلذذون بالتنكيل بأرواحنا وأجسادنا، وأحاول بوعي كامل أن أزرع هذه الصور المروعة وتفاصيلها في ذاكرتي، لأني موقن بأن وقت الحساب قادم لا محالة، وأن الانتقام للضحايا حتمية لا مفر منها، عليّ أن أزيد من هذه الرغبة الجامحة في العدالة، وأربيها في كياني، وأمزجها في أعماق روحي بأن أستمع إلى تلك القصص وأستوعبها، ولم أكتف بالسماع وحسب، بل اخترت القراءة أيضًا كوسيلة لترسيخ الذاكرة، فقط كي لا أنسى، لأن النسيان هو خيانة عظمى لدماء الأبرار الذين سقطوا ظلمًا وعدوانًا.

واليوم شاهدت مقابلة مؤثرة للروائي السوري البارز مصطفى خليفة، وذلك في برنامج "السطر الأوسط"، خليفة هو صاحب رواية "القوقعة"، التي تعدّ إحدى أهم شهادات أدب السجون السوري، حيث يروي فيها مشاهداته اليومية وتفاصيل حياته القاسية خلال أربعة عشر عامًا قضاها معتقلا في سجن تدمر الرهيب، مقدّمًا صورة حية ومروعة لطبيعة الظلم والاستبداد.

إن روايات وحكايا هذه المسالخ البشرية الأسدية التي شهدتها السجون السورية تحت سلطة نظام الأسد، هي من الفظاعة بمكان لدرجة أن تشيب لها الولدان.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

المتنبي

المتنبي شاعرٌ يُعدُّ من أعظم شعراء العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وقد صَدَقَ فيه الوصف البليغ الذي غدا خالدًا على الألسنة: «الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس»، وهذه العبارة ليست مجرد مدحٍ بلاغي، بل هي وصفٌ بالغ الدقة يعكس مدى تأثير هذا الشاعر العملاق في عصره وإلى يومنا هذا، ليس في الأدب فحسب، بل في الفكر والثقافة والتاريخ.


إن ما يؤكد هذه المكانة الفريدة للمتنبي هو أن ديوانه لا يزال إلى اليوم شمسًا ساطعة لا تغيب في سماء الأدب العربي، بل ربما تجاوز تأثيره حدود الأدب العربي ليلامس الأدب العالمي بفضل عمق إنسانيته ورهافة إحساسه، وقد نال ديوانه اهتمامًا غير مسبوق من الدارسين والنقاد على مر العصور، ويتجلى ذلك بوضوح في كثرة شرّاحه الذين أفنوا أعمارهم في تتبع خفايا شعره وبيان معانيه وتفسير غوامضه، ومن أبرز هؤلاء الشرّاح، نذكر الإمام أبا الحسن الواحدي الذي يُعدّ شرحه من أوائل الشروح وأهمها، والفقيه اللغوي أبا البقاء العكبري الذي تميز شرحه بالتحليل اللغوي والنحوي الدقيق، والشاعر والأديب إبراهيم اليازجي الذي قدم رؤى حديثة لشعر المتنبي، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من العلماء والأدباء الذين قدموا شروحًا ودراسات متنوعة، الأمر الذي يدل على ثراء نصه وتعدد مستوياته الدلالية، وهذا الاهتمام الهائل والمديد بشعر المتنبي لم يكن ليتحقق إلا لجودة هذا الشعر الفائقة وعمقه الفلسفي والإنساني، ولبلاغته الساحرة التي بلغت ذروة الإعجاز، وللأسلوب الفريد الممتع الذي اتّسم به، وهو أسلوبٌ لا يصدر إلا عن حكمة صاحبه المتنبي وفلسفته ورؤيته العميقة للحياة والإنسان.


ولم يقتصر هذا الاهتمام البالغ على شعر المتنبي فحسب، بل امتدّ ليشمل حياته المليئة بالأحداث والتناقضات، إذ سالت حولها الكثير من المداد على صفحات الكتب والدراسات، محاولة فك ألغاز شخصيته وسبر أغوار مسيرته، فبعد ألف عام من وفاته، انبرى شيخ العربية وعميدها، الأستاذ محمود شاكر – رحمه الله – لكتابة بحث عميق وموسوعي عن حياة المتنبي، نشره أولًا في مجلة «المقتطف» العريقة التي كانت منبرًا فكريًا مهمًا في عصره، ثم قام بعد ذلك بإخراج هذا البحث في كتاب كبير ضخم، لم يكن مجرد إعادة نشر، بل تضمّن مقدمة شاملة تضع دراسته في سياقها، بالإضافة إلى العدد الأصلي الذي نشر في المقتطف، وضمّ أيضًا ردَّه النقدي الموسّع على كتاب عميد الأدب العربي طه حسين المعنون «مع المتنبي»، وقد أظهر شاكر في نقده هذا قدرة فذة على التحليل والتفنيد، مبينًا نقاط الخلاف والاختلاف المنهجي والفكري بينه وبين طه حسين، غير أن الأستاذ شاكر لم يتمّ هذا النقد بشكل كامل، حيث ذكر هو بنفسه في كتابه أن وفاة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله – أثرت عليه بشكل كبير، مما دفعه إلى التوقف عن استكمال مشروعه النقدي، وقد أضاف شاكر في هذا العمل أيضًا بحثًا معمقًا في قضية نبوّة المتنبي، محاولًا تحليل هذه التهمة التاريخية من جوانبها المختلفة، كما ضم الكتاب أربع تراجم مختلفة لحياته، مما يعكس تعدد الروايات وتباين وجهات النظر حول شخصيته.


لم يكن محمود شاكر الوحيد الذي خاض غمار التأليف عن المتنبي بهذه الشمولية والعمق، بل لحقه الأستاذ عبد الوهاب عزّام في كتابه المهم «ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام»، الذي صدر في المناسبة ذاتها، وتبعه أيضًا الدكتور طه حسين في كتابه الشهير «مع المتنبي»، الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الأدبية، وقد نشأ بين هؤلاء العمالقة صراع فكري كبير، لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كان نقاشًا حادًا ومواجهة منهجية حول قضايا محورية تتعلق بحياة المتنبي وشخصيته وشعره، ومن أبرز هذه القضايا التي حظيت بنصيب وافر من الجدل والنقاش الحاد هو نسب المتنبي؛ ففي حين نسبه محمود شاكر إلى العلويين، مؤكدًا على أصوله الهاشمية الشريفة، ذهب الأستاذ عبد الوهاب عزّام إلى نسبه إلى الجعفيين، وهي قبيلة عربية عريقة، أما طه حسين، فبمنهجه النقدي التشكيكي المعروف، راح يشكّك في نسبه كلّه، مشيرًا إلى عدم وجود دلائل قاطعة تثبت أيًا من تلك الأنساب، مما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيته الاجتماعية وأثرها في تكوين شخصيته وطموحاته.


ولم تقف حياة المتنبي الشائكة والمليئة بالدراما عند هذا الحد من الجدل حول نسبه وأصوله، بل اتُّهم أيضًا بادّعاء النبوّة في مطلع حياته، وهي تهمة خطيرة جدًا في الإسلام، وقد كانت سببًا لسجنه في مدينة حمص، حيث استتيب هناك وأعلن تراجعه عن هذا الادعاء، كما وُجّهت إليه تهمة الميل إلى أفكار القرامطة، وهي حركة باطنية ثورية عرفت بمواقفها المتشددة وتحديها للسلطة العباسية، مما أضاف بعدًا سياسيًا ودينيًا معقدًا لحياته، وجعله عرضة للاضطهاد والشك، وغيرها من التُّهم والشكوك التي لاحقت حياة هذا الشاعر العظيم، الذي ظلّ على مدار التاريخ مصدر إلهام وجدل، فصدق فيه القول الذي أصبح خالدًا على مر العصور: ملأ الدنيا وشغل الناس، بشعره العظيم وحياته المثيرة للجدل.

الاثنين، 24 أكتوبر 2016

هنا حلب..

يقول الأخطل الصغير عن حلب:

لو ألَّفَ المجدُ سفرًا عن مفاخره *** لراح يكتب في عنوانه حَلَبا

حلب.. حصن بني حمدان، وعاصمة أرضهم ودولتهم وحضارتهم، بل حضارة المسلمين أجمعين.

لكِ مني سلامٌ يختلط فيه الحزن الدفين مع الأمل بالفرج من رب العالمين، ودعوة صادقة من قلبٍ عاشق أن تعودي إلى حياتك الطبيعية من جديد، يا عاصمة شمال بلادي، ويا جنة الله في الأرض.

لقد حطّ الموت والدمار رحالهما في حلب، وأطالَا الجلوس؛ فلم يسلم الصغار ولا الكبار من البراميل المتفجرة، ولا من القنابل الفسفورية والنابالم، ولا من شتى الأسلحة المحرمة دوليًا. أصبح الوضع صعبًا عسيرًا: صفاراتُ سيارات الإسعاف لا تهدأ، وصراخُ الأطفال يملأ الأجواء، وأنينُ الأرامل والثكالى يتعالى، وكثرةُ الدعاء ترتفع إلى الله في كل ساعة.

في حلب تدور حرب كبرى، كأنها الحرب العالمية الثالثة، رحاها فوق رؤوس المدنيين؛ الجميع مهدَّد بالموت، والمباني قد تهاوت فوق بعضها من شدة القصف الممنهج والدمار الهائل.

حلب! لا تحزني ولا تقنطي من رحمة الله؛ فأنتِ باقية، وهم زائلون. كما رحل التتار والمغول، وكما اندحر أعداء أرضك من قبل، سيذهبون مدحورين خائبين خاسرين. سيذكرك التاريخ بأفخم العبارات، أما هم فسيبقون سادة مزابل التاريخ.

لا نملك لكِ سوى الدعاء.

ولله دَرُّ من صبر.. حاصِرْ حصارك لا مفرّ.

السبت، 17 سبتمبر 2016

أمة أقرأ. .نست القراءة

في مجتمعنا المسلم غفل كثير من الأفراد عن القراءة والمطالعة، حتى كأنهم لا يدركون ما للكتاب من فضل، وما للعلم من أثر. فخيَّم الجهل على العقول، وأُثقلت بالأغلال، وأصبحنا نتخبط في ظلام حالك دامس؛ وأصل الداء إنما هو إعراض الناس عن العلم، وهجرهم للكتاب.

ولْنَعلم أن أوّل ما أنزل على سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم من كلام رب العالمين: "اقرأ"؛ فكان الأمر بالقراءة فريضة وواجبًا من الله تعالى. ومن أراد أن يبني دولة أو يؤسس حضارة فلا سبيل له إلا بالعلم والقراءة.

فالكتاب بحر زاخر بالمعارف، يأخذك إلى حضارات قديمة وتقاليد مختلفة، وهو غذاء العقل وروح الفكر. وكانت القراءة اللبنةَ الأولى التي قامت عليها حضارات المسلمين، يشهد على ذلك ما وصل إلينا من أخبار المكتبات العامرة بالكتب والمخطوطات. فقد كان الملوك والسلاطين يولونها عناية بالغة، حتى غدت المكتبات من أسباب قوتنا وتسيّدنا العالم في تلك العصور.

وقد قال المتنبي:

العِلمُ يَرفَعُ بيوتًا لا عِمادَ لها *** والجهلُ يَهدِمُ بيوتَ العِزِّ والكَرَمِ

فأوّل ما تعلمناه كان القراءة والكتابة، ثم تعلّمنا المبارزة، وبالعلم قبل السيف كان النصر والتمكين.

وأخيرًا، ما عساي أن أقول؟ إن مهما كتبت عن فضل القراءة فلن أبلغ غايتها، فهي النور الذي يبدّد الظلام، والزاد الذي لا ينفد، والسلاح الذي لا يصدأ.

الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة

المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...