جذوة - Jadhwa
جذوة — مدوّنة تُعنى بالأدب والفلسفة والفكر، تفتّش في اللغة عن دهشتها، وفي الإنسان عن بصيصه الذي لم يخمد بعد، هنا تصاغ الفكرة على مهل، كمن ينفخ في رماد العالم ليوقظ جمرة المعنى . ليست جذوة مساحة للقول فحسب، بل مختبر للكلمة حين تُصارع العادي لتولد جديدة.
الخميس، 9 أكتوبر 2025
الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة
الاثنين، 6 أكتوبر 2025
النظام الانتخابي السوري بين الشورى والديمقراطية: قراءة في تجربة ما بعد التحرير:
السبت، 4 أكتوبر 2025
الفرق بين الإحسان والإنعام والعدل في الإسلام: رؤية لغوية وشرعية
مفهوم الإحسان في اللغة والشرع
من دلالات المعاني اللغوية والشرعية، يتضح أن مفهوم الإحسان أعم وأشمل من مفهوم الإنعام، فالإنعام هو إيصال النفع والعطاء للآخرين، أي منحهم ما يفيدهم أو ينالون به الخير، أما الإحسان فيتجاوز ذلك ليشمل إتقان الفعل وتجويده، والقيام بالشيء على أكمل وجه وأحسنه، سواء كان ذلك في العطاء (الذي يندرج تحت الإنعام) أو في أي عمل آخر، كحسن الخلق أو حسن المعاملة أو إتقان الصنعة، فهو يعني فعل الخير والقيام به على وجه الكمال والإتقان.
الفرق بين الإحسان والإنعام
بينما يقتصر الإنعام على منح النفع أو الخير، فإن الإحسان يتضمن حسن الأداء في هذا العطاء، وكأن العطاء نفسه يكتسب روحًا من الجمال والإتقان. فالإحسان لا يقف عند الفعل، بل يهتم بكيفية أدائه وجمال أثره في النفس والآخر.
الإحسان والعدل: مرتبتان لا تتساويان
الإحسان أعلى مرتبة من العدل، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو واجب شرعًا وعقلًا. أما الإحسان، فهو تجاوز القدر الواجب إلى المبالغة في الإكرام والتكريم، والعطاء بلا انتظار مقابل، مع الكمال في الفعل والرقة في الأسلوب. العدل يُقيم المجتمع، لكن الإحسان يُحييه.
الإحسان إلى الوالدين: من الفضل إلى الفرض
خير مثال على هذه المرتبة العالية ما جاء في وصية الله تعالى بالوالدين، حيث يقول سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فالآية لا تدعو إلى العدل أو أداء الحقوق فحسب، بل إلى المبالغة في البر والإكرام والرعاية. لقد رفع الله الإحسان إلى الوالدين من فضيلة اختيارية إلى فريضة إلهية واجبة، ليصبح برّهما طريقًا إلى رضاه سبحانه.
الإحسان قيمة لا تعرف التوقف
الإحسان لا يقف عند حدٍّ معين، بل هو سعي دائم نحو الكمال، وتجدد مستمر للعطاء، ورغبة في بلوغ أسمى مراتب الإنسانية. هو دعوة إلى العطاء بلا حساب، والرحمة بلا شروط، والوفاء بلا انقطاع. ومن هنا يظهر أن الإسلام لا يكتفي بإقامة العدل، بل يدعو إلى ما هو أجمل وأكمل — إلى الإحسان.
خاتمة
إن تشريع الإحسان في معاملة الوالدين وسائر الناس هو من أعظم دلائل كمال هذا الدين، ومن تجليات رحمته الإلهية بعباده. فالإحسان بابٌ للقرب من الله، ومن خلاله يرقى الإنسان بنفسه وبمجتمعه إلى أفقٍ من الصفاء والسكينة والرضا.
عبدالله الحسن
"يسمعون حسيسها... والقوقعة: شهادات من المسالخ الأسدية"
الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020
المتنبي
المتنبي شاعرٌ يُعدُّ من أعظم شعراء العربية إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وقد صَدَقَ فيه الوصف البليغ الذي غدا خالدًا على الألسنة: «الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس»، وهذه العبارة ليست مجرد مدحٍ بلاغي، بل هي وصفٌ بالغ الدقة يعكس مدى تأثير هذا الشاعر العملاق في عصره وإلى يومنا هذا، ليس في الأدب فحسب، بل في الفكر والثقافة والتاريخ.
إن ما يؤكد هذه المكانة الفريدة للمتنبي هو أن ديوانه لا يزال إلى اليوم شمسًا ساطعة لا تغيب في سماء الأدب العربي، بل ربما تجاوز تأثيره حدود الأدب العربي ليلامس الأدب العالمي بفضل عمق إنسانيته ورهافة إحساسه، وقد نال ديوانه اهتمامًا غير مسبوق من الدارسين والنقاد على مر العصور، ويتجلى ذلك بوضوح في كثرة شرّاحه الذين أفنوا أعمارهم في تتبع خفايا شعره وبيان معانيه وتفسير غوامضه، ومن أبرز هؤلاء الشرّاح، نذكر الإمام أبا الحسن الواحدي الذي يُعدّ شرحه من أوائل الشروح وأهمها، والفقيه اللغوي أبا البقاء العكبري الذي تميز شرحه بالتحليل اللغوي والنحوي الدقيق، والشاعر والأديب إبراهيم اليازجي الذي قدم رؤى حديثة لشعر المتنبي، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من العلماء والأدباء الذين قدموا شروحًا ودراسات متنوعة، الأمر الذي يدل على ثراء نصه وتعدد مستوياته الدلالية، وهذا الاهتمام الهائل والمديد بشعر المتنبي لم يكن ليتحقق إلا لجودة هذا الشعر الفائقة وعمقه الفلسفي والإنساني، ولبلاغته الساحرة التي بلغت ذروة الإعجاز، وللأسلوب الفريد الممتع الذي اتّسم به، وهو أسلوبٌ لا يصدر إلا عن حكمة صاحبه المتنبي وفلسفته ورؤيته العميقة للحياة والإنسان.
ولم يقتصر هذا الاهتمام البالغ على شعر المتنبي فحسب، بل امتدّ ليشمل حياته المليئة بالأحداث والتناقضات، إذ سالت حولها الكثير من المداد على صفحات الكتب والدراسات، محاولة فك ألغاز شخصيته وسبر أغوار مسيرته، فبعد ألف عام من وفاته، انبرى شيخ العربية وعميدها، الأستاذ محمود شاكر – رحمه الله – لكتابة بحث عميق وموسوعي عن حياة المتنبي، نشره أولًا في مجلة «المقتطف» العريقة التي كانت منبرًا فكريًا مهمًا في عصره، ثم قام بعد ذلك بإخراج هذا البحث في كتاب كبير ضخم، لم يكن مجرد إعادة نشر، بل تضمّن مقدمة شاملة تضع دراسته في سياقها، بالإضافة إلى العدد الأصلي الذي نشر في المقتطف، وضمّ أيضًا ردَّه النقدي الموسّع على كتاب عميد الأدب العربي طه حسين المعنون «مع المتنبي»، وقد أظهر شاكر في نقده هذا قدرة فذة على التحليل والتفنيد، مبينًا نقاط الخلاف والاختلاف المنهجي والفكري بينه وبين طه حسين، غير أن الأستاذ شاكر لم يتمّ هذا النقد بشكل كامل، حيث ذكر هو بنفسه في كتابه أن وفاة الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي – رحمه الله – أثرت عليه بشكل كبير، مما دفعه إلى التوقف عن استكمال مشروعه النقدي، وقد أضاف شاكر في هذا العمل أيضًا بحثًا معمقًا في قضية نبوّة المتنبي، محاولًا تحليل هذه التهمة التاريخية من جوانبها المختلفة، كما ضم الكتاب أربع تراجم مختلفة لحياته، مما يعكس تعدد الروايات وتباين وجهات النظر حول شخصيته.
لم يكن محمود شاكر الوحيد الذي خاض غمار التأليف عن المتنبي بهذه الشمولية والعمق، بل لحقه الأستاذ عبد الوهاب عزّام في كتابه المهم «ذكرى أبي الطيب بعد ألف عام»، الذي صدر في المناسبة ذاتها، وتبعه أيضًا الدكتور طه حسين في كتابه الشهير «مع المتنبي»، الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الأدبية، وقد نشأ بين هؤلاء العمالقة صراع فكري كبير، لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كان نقاشًا حادًا ومواجهة منهجية حول قضايا محورية تتعلق بحياة المتنبي وشخصيته وشعره، ومن أبرز هذه القضايا التي حظيت بنصيب وافر من الجدل والنقاش الحاد هو نسب المتنبي؛ ففي حين نسبه محمود شاكر إلى العلويين، مؤكدًا على أصوله الهاشمية الشريفة، ذهب الأستاذ عبد الوهاب عزّام إلى نسبه إلى الجعفيين، وهي قبيلة عربية عريقة، أما طه حسين، فبمنهجه النقدي التشكيكي المعروف، راح يشكّك في نسبه كلّه، مشيرًا إلى عدم وجود دلائل قاطعة تثبت أيًا من تلك الأنساب، مما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول خلفيته الاجتماعية وأثرها في تكوين شخصيته وطموحاته.
ولم تقف حياة المتنبي الشائكة والمليئة بالدراما عند هذا الحد من الجدل حول نسبه وأصوله، بل اتُّهم أيضًا بادّعاء النبوّة في مطلع حياته، وهي تهمة خطيرة جدًا في الإسلام، وقد كانت سببًا لسجنه في مدينة حمص، حيث استتيب هناك وأعلن تراجعه عن هذا الادعاء، كما وُجّهت إليه تهمة الميل إلى أفكار القرامطة، وهي حركة باطنية ثورية عرفت بمواقفها المتشددة وتحديها للسلطة العباسية، مما أضاف بعدًا سياسيًا ودينيًا معقدًا لحياته، وجعله عرضة للاضطهاد والشك، وغيرها من التُّهم والشكوك التي لاحقت حياة هذا الشاعر العظيم، الذي ظلّ على مدار التاريخ مصدر إلهام وجدل، فصدق فيه القول الذي أصبح خالدًا على مر العصور: ملأ الدنيا وشغل الناس، بشعره العظيم وحياته المثيرة للجدل.
الاثنين، 24 أكتوبر 2016
هنا حلب..
يقول الأخطل الصغير عن حلب:
لو ألَّفَ المجدُ سفرًا عن مفاخره *** لراح يكتب في عنوانه حَلَبا
حلب.. حصن بني حمدان، وعاصمة أرضهم ودولتهم وحضارتهم، بل حضارة المسلمين أجمعين.
لكِ مني سلامٌ يختلط فيه الحزن الدفين مع الأمل بالفرج من رب العالمين، ودعوة صادقة من قلبٍ عاشق أن تعودي إلى حياتك الطبيعية من جديد، يا عاصمة شمال بلادي، ويا جنة الله في الأرض.
لقد حطّ الموت والدمار رحالهما في حلب، وأطالَا الجلوس؛ فلم يسلم الصغار ولا الكبار من البراميل المتفجرة، ولا من القنابل الفسفورية والنابالم، ولا من شتى الأسلحة المحرمة دوليًا. أصبح الوضع صعبًا عسيرًا: صفاراتُ سيارات الإسعاف لا تهدأ، وصراخُ الأطفال يملأ الأجواء، وأنينُ الأرامل والثكالى يتعالى، وكثرةُ الدعاء ترتفع إلى الله في كل ساعة.
في حلب تدور حرب كبرى، كأنها الحرب العالمية الثالثة، رحاها فوق رؤوس المدنيين؛ الجميع مهدَّد بالموت، والمباني قد تهاوت فوق بعضها من شدة القصف الممنهج والدمار الهائل.
حلب! لا تحزني ولا تقنطي من رحمة الله؛ فأنتِ باقية، وهم زائلون. كما رحل التتار والمغول، وكما اندحر أعداء أرضك من قبل، سيذهبون مدحورين خائبين خاسرين. سيذكرك التاريخ بأفخم العبارات، أما هم فسيبقون سادة مزابل التاريخ.
لا نملك لكِ سوى الدعاء.
ولله دَرُّ من صبر.. حاصِرْ حصارك لا مفرّ.
السبت، 17 سبتمبر 2016
أمة أقرأ. .نست القراءة
في مجتمعنا المسلم غفل كثير من الأفراد عن القراءة والمطالعة، حتى كأنهم لا يدركون ما للكتاب من فضل، وما للعلم من أثر. فخيَّم الجهل على العقول، وأُثقلت بالأغلال، وأصبحنا نتخبط في ظلام حالك دامس؛ وأصل الداء إنما هو إعراض الناس عن العلم، وهجرهم للكتاب.
ولْنَعلم أن أوّل ما أنزل على سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم من كلام رب العالمين: "اقرأ"؛ فكان الأمر بالقراءة فريضة وواجبًا من الله تعالى. ومن أراد أن يبني دولة أو يؤسس حضارة فلا سبيل له إلا بالعلم والقراءة.
فالكتاب بحر زاخر بالمعارف، يأخذك إلى حضارات قديمة وتقاليد مختلفة، وهو غذاء العقل وروح الفكر. وكانت القراءة اللبنةَ الأولى التي قامت عليها حضارات المسلمين، يشهد على ذلك ما وصل إلينا من أخبار المكتبات العامرة بالكتب والمخطوطات. فقد كان الملوك والسلاطين يولونها عناية بالغة، حتى غدت المكتبات من أسباب قوتنا وتسيّدنا العالم في تلك العصور.
وقد قال المتنبي:
العِلمُ يَرفَعُ بيوتًا لا عِمادَ لها *** والجهلُ يَهدِمُ بيوتَ العِزِّ والكَرَمِ
فأوّل ما تعلمناه كان القراءة والكتابة، ثم تعلّمنا المبارزة، وبالعلم قبل السيف كان النصر والتمكين.
وأخيرًا، ما عساي أن أقول؟ إن مهما كتبت عن فضل القراءة فلن أبلغ غايتها، فهي النور الذي يبدّد الظلام، والزاد الذي لا ينفد، والسلاح الذي لا يصدأ.
الكلمة «أفَشّ» في اللهجة الشامية: دراسة لسانية-اجتماعية في التكوين والدلالة
المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...
-
مفهوم الإحسان في اللغة والشرع من دلالات المعاني اللغوية والشرعية، يتضح أن مفهوم الإحسان أعم وأشمل من مفهوم الإنعام، ف...
-
المقدمة: تُعدّ اللهجات العربية الحيّة مخزونا غنيًّا للظواهر اللغوية التي تعكس تفاعلات التاريخ والهوية والثقافة في آنٍ واحد، ومن بين هذه الظو...
-
مقدمة: لم يكن النظام الانتخابي الذي اعتمدته سوريا في أعقاب مرحلة التحرير مجرّد خيارٍ تقنيّ أو تعديلٍ دستوريّ طارئ، بل كان موقفًا فكريًا وسيا...